أحمد مصطفى المراغي
21
تفسير المراغي
هي قد تنقاد لصاحبها الذي يتعهّدها ، وتعرف من يحسن إليها ومن يسئ ، وتطلب ما ينفعها وتجتنب ما يضرها ، وتهتدى لمراعيها ومشاربها ، وتأوى إلى معاطنها ومرابضها ، لكن هؤلاء لا ينقادون لخالقهم ورازقهم ، ولا يعرفون إحسانه إليهم وإساءة الشيطان لهم ، وهو الذي قد زين لهم اتباع الشهوات - إلى أنهم لا يرجون ثوابا ، ولا يخافون عقابا ، إلى أن جهالة الأنعام مقصورة عليها ، وجهالة هؤلاء تؤدى إلى وقوع الفتنة والفساد ، وصدّ الناس عن سنن السّداد ، ووقوع الهرج والمرج بين العباد ، إلى أن البهائم إذ لم تعقل صحة التوحيد والنبوة لم تعتقد بطلان ذلك ، بخلاف هؤلاء فإنهم اعتقدوا البطلان عنادا ومكابرة وتعصبا وغمطا للحق ، إلى أنها لم تعطّل قوة من القوى المودعة فيها ، فلا تقصير من قبلها عن الكمال ، أما هؤلاء فهم مبطلون لقواهم العقلية مضيعون للفطرة التي فطر اللّه الناس عليها ، وقد قالوا الملائكة روح وعقل ، والبهائم نفس وهوى ، والبشر مجمع الكل للابتلاء والاختبار ، فإن غلبته النفس والهوى فضلته الأنعام ، وإن غلبته الروح والعقل فضل الملائكة الكرام . وتخصيص الأكثر بالذكر ، لأنه قد كان منهم من آمن ، ومنهم من عقل الحق وكابر ، استكبارا وخوفا على الرئاسة . [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 45 إلى 54 ] أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً ( 45 ) ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً ( 46 ) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً ( 47 ) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً ( 48 ) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً ( 49 ) وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً ( 50 ) وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً ( 51 ) فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً ( 52 ) وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً ( 53 ) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً ( 54 )